Uncategorized · مقالات

قصّتي مع التنمّر “الثوري

بدأت قصتي مع التنمّر “الثوري” بمقالٍ كتبتُه. لكن القصة بدأت قبل مشهدي فيها وهي مستمرة بعده.

قصة تنمّر عادية، لا بريق فيها ولا معالم استثنائية. لم تُنشر لي صورة عارية ولا كُشفت أسرار عمالتي للأعداء أو الرشوة التي أتلقاها من الأنظمة. لم أتعرّض للابتزاز ولا طُلب مني شيءٌ في مقابل شيء.

قصة تنمّري البسيطة تقوم أساساً على أشخاصٍ أعرفهم، ليسوا أصدقائي طبعاً لكنهم ليسوا مجهولين لي ولا أنا غريبة عنهم. أجلس قبالتهم في المقهى أو البار، وأحياناً أمرّ بهم في الشارع، أعرف بعضهم منذ عشرين عاماً وبعضهم الآخر عرفته على مرّ هذه العشرين. ومنهم من يبتسم لرؤياي ومنهم من يركض من موقعه إلى موقعي ليحضنني كلما رآني، كأني فعلاً صديقة، كأني فعلاً غالية.

ولقصة تنمّري أشخاص لا أعرفهم، لكنهم تحدثوا عني وكأنهم/ن يعرفونني. سحر التي.. سحر مندور كانت.. ينصهرون فوراً في جوقة التنمّر ما أن تركب، ويدور الردح. لا أعرفهم لكنهم يتحدثون عني كأني دفنتُ معهم أسراري الدنيئة.

وجميعهم، من أعرفهم ومن لا أعرفهم، ارتأوا في لحظة الاختلاف بالرأي أنه يحق لهم استباحتي، فاستباحوني.

في حفلة الجنون العنيف التي استهدفتني لأقل من شهر، كان الأصدقاء ينظرون إلى أقوال القائلين ويغضبون، يهرعون نحوي ليطمئنوني، يرجونني ألا أتأثر، يأتونني بأمثلة عن سوقية هؤلاء المتنمرين ولاجدواهم، وينصحونني بعدم الرد لأنهم يعتاشون على الردود، يصنعون منها ما يشاؤون، ولا يناقشون الطرح. وتُساق الأمثلة بالعشرات للدلالة على ذلك.

وبالفعل، ولأن الأمثلة بالعشرات تدلّ على ذلك، لم أجب ولم أخض معركة ولم أدافع عن نفسي. ناقشت الأفكار مع من ناقشني وسكتت عمّن استباحني. سكتت وصمتت وسعيت لأن أنفضهم عني، كأن شيئاً لم يكن لأنه يجب عليّ ألا أدعهم يؤثرون فيّ. وبالفعل، بردت القصة مع الوقت، مع صعود ضحايا جدد، ومع خمولي في التعبير إثر الحادثة على السوشل ميديا.

لكن القصة فعلياً لم تنته على ذلك، ولا الخمول أتى حرّاً.

سأبدأ من البداية.

 

بدأت القصة بمقالٍ كتبتُه ينتقد التنمّر ضد الشركاء في الثورة. قال المقال إن حرق هؤلاء الأشخاص باستخدام التعابير ذاتها التي نستخدمها ضد نبيه بري مثلاً هو مقتلٌ للثورة لا “تطهير” لها. فالثورة هي مساحة التقاءٍ بين مختلفين متسعين على مساحة شعب، الأولوية فيها للإحساس بالأمان إلى الاختلاف مع الآخر شريك المطلب. لا يعني ذلك تغييب النقد الحيوي لأيّ حراك سياسي إجتماعي، وإنما إتاحة مجال للنقاش، الخطأ، الاعتذار أحياناً، والتصرّف على أساس تطوّرٍ في الحدث. إلغاء إمكانيات التغيير عن الآخر المخطئ وإلغاء الحق بالوجود عن الآخر المختلف هما تهديدٌ لأساس العمل الشعبي. استهداف الأشخاص لقتلهم رمزياً واغتيالهن معنويًا وإلغائهم من المساحة العامة هو فعلٌ عنفي يكهرب الحركة السياسية حتى يخنقها، وهو بالتأكيد لا يؤدي غرض النقد. والتكرار يعلّم الدرس: السلخ لم ينتج خيراً في أي من حراكاتنا السابقة.

كما أن التكفير الذي “يعاقب” الخطأ كثيراً ما ينتهي عقاباً للرأي المختلف في مقاربة بعثية لما يسمى بـ”الطهارة الثورية”. ويصبح المسلخ المفتوح لأهل الثورة موضعَ وهنٍ فيها لا تحصيناً لها، لأن الناس ستنفضّ – بطبيعة الحال – عن حالةٍ على هذا القدر من التكفير والتفرّد.

ورميتُ في المقال إمكانية أن يتعرض مقالٌ كهذا للسلخ بسبب اختلافه مع التكفيريين الثوريين.

 

وهكذا حصل.

اسمي، اسم عائلتي، مهنتي، راتبي، مهنتي السابقة، راتبي السابق، صداقاتي، نسويتي، يساريتي، كوني كاتبة، كوني صحافية، كوني أرمي النكات وأضحك في الصور مع أصدقائي.. فتحَت عصبةُ المتنمرين، ذات التواجد في دوائري الثقافية، اليسارية، النسوية والكويرية، لشخصي الكريم محاكمةً عامة، راحوا يؤدبوني لكي أعرف حجمي وأحجم عن نقد “مساهمتهم” في الثورة. تصرّفوا كبطاركة للرأي العام، ومع ذلك، أصرّوا أني أنا من أقمعهم وأمنع عنهم حرية التعبير بواسطة مقالي. مقالي الذي لم أذكر فيه اسماً أو إشارةً تدلّ على شخصٍ معينٍ باستثناء من اعتبرتُهم ضحايا هذا المنحى التكفيري. قالوا إني أتنمّر عليهم فرداً فرداً، لا بل أهدد سلامتهم حتى.

اتهموني بما مارسوه بحقي، تماماً كما يفعل دونالد ترمب. هو “رب الفايك نيوز”، لا ينفك يتهم الجميع بها.

وهكذا فعلوا مع غيري، هجومهم يأتي في معظم الأحيان مرفقاً بمظلوميةٍ كئيبة.

كان مقالاً هوجمتُ عليه، لكن القصة لم تنته عنده. فقد انطلقت ماكينة التنمّر ولن تهدأ إلا بحرقي. بعد أيام على المقال، قلتُ قولاً على “فايسبوك”، نقديّاً أيضاً لكن في سياقٍ مختلف، فهوجمتُ عليه بالاسم وبكامل صفاتي، ودار الردح مجدداً كأنه كان عطشاً وسقيتُه قولاً فانتعش. كتبتُ مقالاً ثانياً، ليس نقدياً وإنما يحكي عن ناحية من ذاكرة جيلي، فكان ثالث الواقعات في رحلة التنمّر.

وهكذا، يبدو وصلتني الرسالة. ما أن أفتح فمي، ستحضر هذه المجموعة المكونة من 15-20 شخصاً في الدائرة المألوفة لي، بعضهم هنا وبعضهم ينظّرون من خارج المكان حتى، من برلين إلى كندا ومن إسطنبول إلى فرنسا، ليحشدوا ضدي ويجعلوني عبرةً للرأي العام. يبدو أن هذا التكرار فجّر فيّ إحساساً بالغضب وانعدام الأمان، قمعتُ الغضب فيّ لكي لا أتأثر ولا أتسبب بالمزيد لي. لكن انعدام الأمان استتب، فأنا لم آت من العدم وإنما من جيل مطبوع بالرعب من انعدام الأمان نتيجة نموّه في هذا البلد.

 

في هذه الأثناء، راحت تتوالى حولي حوادث السلخ ورحت أفقد الثقة في حشدنا أكثر فأكثر.

كيف أكون في الشارع جنباً إلى جنب مع عصبة تكفيريين تدّعي الراديكالية الثورية بدون تعريفها، تدعي الطهارة الاستثنائية بدون أدلة، تدّعي المحاسبة بلا توكيل، تخلط ما بين ترهيب الثوريين وترهيب السلطة؟

هذا النهج التهجّمي ليس فريداً في السياق اللبناني، ولا هو خاص به. له حضورٌ متجانس مع موقعه في تجارب مصر وسوريا وفلسطين وفي كثير من ساحات التغيير. حالةٌ ذكورية من التفوّق تترافق مع استباحة الأخر، ومعظمنا نساء، تستنسخ لغة جيوش السلطات الإلكترونية لتصنع صورةً عن “النظام” لا ثورةً عليه، كما يقول الشعار الشهير في سياق الثورة السورية.

 

وقبل الخوض في خلاصة تجربتي الشخصية بالتعامل مع حضور هذا النهج، أود أن أميّز خصوصيةً في التجربة معهم تختلف عن خصوصية التعرّض للهجوم من قبل مؤيدي السلطة وزعرانها.

خلال عملي الصحافي، حصل أن تعرّضتُ كم مرة لهجوم لفظي من قبل مؤيدي أحزاب وسلطات. عميلة، رخيصة، مرتهنة، حثالة، “رويبضة” (ما زلت لا أعرف معناها)… كان الشتم واضح السبب، وكان الشاتمون واضحو المصلحة، يحمون تكتلهم وتحيّزهم، مصالحهم ومعتقداتهم. ولذلك ربما لم أشعر خلالها بالأذى أو الاستباحة، فقط الزعل. المرة الوحيدة التي شعرتُ فيها بالقلق من الاستباحة خلال تلك الفترة كانت عند تعرّضي للهجاء من قبل صاحبة العصمة في الصحافة المحلية الصفراء، ن. أ.، لأنها حينها هددت بفضح “ملفاتي” في السهر والرقص. وفي النوعين من التجارب، كان الهجوم يأتيني ممن يحافظون على سلطاتهم، مهما كبرت أو صغرت، أكانت ماديةً ملموسة أو رمزية.

في التجربة الأخيرة مع هؤلاء المعارف في الثورة، أتى الأذى حاسماً لأنه غير مبرر، بلا هدف غير أذيتي. ما المكسب من هذا كله على الصعيد العام؟ صفر. فالعقاب طال كاتبةً على مقال. وقد أتاني العقاب من ناس هم، مبدئياً، يتظاهرون إلى جانبي، يرفعون مطلبي، وأدافع نظرياً عن حقوقهم.

شيئاً فشيئاً، صرت أرى لهذا النهج مدّاً في الاجتماعات والتظاهرات. مدّ المبالغة بالراديكالية لتحجيم الآخر وبالتالي الاختلاف ومعه الحشد. شيئاً فشيئاً، صرتُ أنفر من الحيّز العام، وصارت مشاركتي في الاجتماعات والتظاهرات فعلاً أجبر نفسي عليه بعدما كنت أسابقها إليه.

 

الأذى الذي يخلفه هذا النهج يتفاوت بحسب موقعه في مُعاش الشخص. لسنا جميعاً محصنين ضد الإحساس بالاستباحة، ولا جميعنا محصّنين ضد التهجّم والتكفير الشخصي. نحن أولاد أرض قاسية، لها مراحل حربية، لطالما استبيح الأفراد فيها إن من ميليشيات مسلحة أو من جماعاتٍ ذكوريةٍ بذيئة. والنساء (كما المثليون وغيرهم/ن من الفئات المضطهدة) يعرفن الاستباحة ويتفادينها. كم من قصةٍ استسهل المتنمرون/ات فيها استباحة امرأة أو مثلي؟ وكم من مرة تراجعوا أمام رجلٍ من الدوائر ذاتها بعدما هاجموه، وأرسلوا “عروض الصلحة” ونشروا تبريرات الذات في الخاص وأحياناً على الملأ؟

 

تأتي هذه التجارب كاهتراء أعصابٍ لا عازة له. هناك مروحة من الأزرار يدوسها هذا التنمر في الفرد، في صحته النفسية كما في علاقته بالمجتمع الخاص والحدث العام. يخلّف آثاراً وردود فعل تستمر بعد انقضاء فترة السلخ. فكيف إذا تكرر لسنين حتى صار شبحاً مرعباً كسلطة “حزب البعث” يرافق الشخص والحيّز العام في صحوه ونومه؟

في حالتي، وجدتُ نفسي شيئاً فشيئاً أنسحب من الحيّز العام، ثم الإفتراضي. قللتُ من التعليق وتوقفتُ عن الكتابة. بلا قرار واعٍ، هكذا، بانجرار.

والمفارقة أني لم أتوقف عن بناء رأيي وكتابته، لكني صرت أكتفي بمشاركته مع الأصدقاء على واتساب، ضمن المساحات الآمنة. لن تأتيني شتيمةٌ من حيث لا أدري. وفي يوم من الأيام، لفتني صديقٌ تعرّض بدوره للتنمّر إلى أثره هذا على امتناعي عن الكتابة. حينها انتبهت، وحزنتُ جداً. انكسر قلبي.

رفضتُ سلطة التنمّر عليّ وحاولتُ كثيراً أن أتغلب على الامتناع بالكتابة، لكني لم أقدر. صرت أعرف أني غير قادرة على الكتابة في هذه الفترة. انفصالي عن الكتابة هو فعل قتلٍ رمزي لي، فأنا أمتهنها منذ سن 19 عاماً حتى يومنا هذا. لم أعرف لي صفة غيرها، وقد أُصِبتُ بها.

 

لحسن الحظ أن الوقت يمضي. ومع مضيه، تراكم حولي الأفراد الذين تمت مهاجمتهم لسبب أو لآخر. تكهرب الحيّز العام، وأتت الأزمات المتتالية هنا لتزيد من اختناقه. اليوم، يبدو نقاش الثورة ساكتاً أو مرتبكاً. هل نقيّم، نبحث في التتمات المختلفة، أم نلتزم الصمت حقناً للدماء؟ هل نقترح لجنة تنسيق أم أننا بذلك نضع أفراداً في مرمى التكفير؟ من يتابع نقاشاً يجري في الثورة الآن؟ من يعتدّ بالاختلاف في ساحة التغيير الآن، أو حتى “يتحمله”؟ ضاقت المساحات، وأحد أسباب ضيقها هو النهج التهجّمي على الأشخاص والتكفيري للرأي المختلف. هذا النمط من الأذى المجاني له علامة في وجه الثورة التي يفترض أنها أساساً مكاناً للقاء المختلفين. لا أمان في ثورةٍ تنهش لحمها بهذه الطريقة.

 

مؤخراً، بات صدر الناس يضيق بهذا النمط التكفيري التنمّري وهذه المحاكمات الميدانية لكل مختلف/ة بالرأي أو حتى مخطئ/ة بالممارسة، كما صار هناك من يتصدى له بأكثر من التجاهل. وهو بالنهاية سيخبو، وستطفو هموم أكبر تهمّشه، وسينصرف الأفراد المتضررين إلى علاجاتهم الخاصة. لكن المشكلة تكمن في القلق المستمر منه ومن حضوره في اللحظة الثورية التالية. بعد قليل، ستعلو الأصوات وتكثر المبادرات ويصنع المشهد العظيم مختلفون كثر وجداً.. وشيئاً فشيئاً، سيستعيد هذا النهج عافيته متسلحاً بلغة ثورية راديكالية حاسمة، كمقصلة على رقبة لويس الرابع عشر.

في دائرتي البيروتية أو في أي سياق أخر، كيف نتعامل معه؟

 

لن يرضي رأيٌ جميع الآراء، ولن يتفق الحشد على أساليب التعبير. لن يفرض أحدٌ على أحدٍ وجهة نظر أو تغييرها. هذا ليس الخطر. الخطر هو العجز عن الكلام، النقاش. إخراسه أو تخويفه بالعنف اللفظي. هذا ما تفعله ميليشيات النظام الالكترونية. “تطهّر”. “تجرف”. وتفخر بالسلخ. هذه ممارسات أثور ضدها، ولذلك تصبح أكثر أذى لما تأتي من حيّزٍ ثوري تغييري.

ماذا لو تسلّموا سلطة؟ أبسط سؤال أمام هجوم على محامية أو مخرجة. إحساسٌ كهذا يعتري الناس، ضحايا التنمر والمتفرجين، بينما باقة المصفقين تضيق قليلاً وتتسع قليلاً، بلا بريقٍ ولا انطفاء.

 

برأيي، في رحلتنا الثورية المقبلة، أحد بنود الاتفاق في العمل الجماعي التي يجب أن نشدد عليها لحفظ أمان المساحة العامة وبالتالي تماسكها هو توجيه الغضب إلى السلطة بكافة أشكالها وتوجيه النقد إلى شركاء الشارع على اختلافاتهم. فحتى الحق بالشتيمة الذي تكفله العدالة هو حق بشتم الأشخاص الموجودين في مواقع السلطة والمسؤولية العامة، وليس الحق بشتم الأفراد خارجهما.

بناء سرديةٍ مغايرة للسردية الحاكمة هو عادةً أبرز أدوار الثورة وأجملها. تجسيد البديل الذي نريده، بدلاً من اجترار الزريبة التي نعيش فيها. أن ننوجد في دائرة صحية أولاً، قبل أن نطالب بها لكل الناس. امتلاك القدرة على تحفيز الحلم بحياة مختلفة، شهية، مشتهاة، عند الحث على بذل الجهد لإنهاء الكابوس الذي نعيشه.

وعند الاختلاف، يحلّ النقاش وتولد الحلول التي ترضيني جزئياً وترضيك جزئياً، بلا تكفيرٍ ولا تهشيمٍ ولا إلغاء. وهكذا، قد تصبح الساحة أكثر أمانًا.. وحينها، فليأخذ كلٌّ حجمه تبعاً لقوة حجّته لا بذاءتها.

 

 

أترك/ي تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s